1

نريد غزواني مؤسس الجمهورية الثالثة (3D) (Démocratie, Développement et Durabilité) محمد أبات الشيخ محمد المامي

شارك المنشور:

نريد غزواني مؤسس الجمهورية الثالثة (3D)
(Démocratie, Développement et Durabilité)
محمد أبات الشيخ محمد المامي
تحتاج موريتانيا اليوم إلى أن تفتح نقاشًا وطنيًا شجاعًا حول مستقبل نظامها السياسي، وليس المقصود بهذا النقاش تغيير الأشخاص أو تداول النخب داخل البنية نفسها، وإنما إعادة النظر في السؤال الأكثر جوهرية: كيف ينبغي أن تُمارس السلطة باسم الشعب؟
لقد عرفت موريتانيا منذ الاستقلال تجارب دستورية وسياسية متعددة، من مرحلة التأسيس الأولى، إلى تجربة الحزب الواحد، ثم الحكم العسكري، وصولًا إلى التعددية الدستورية التي أعاد دستور 1991م إرساءها، غير أن استمرار النظام الرئاسي بوصفه الإطار المركزي لإدارة السلطة يجعل من المشروع أن نسأل: ألم يحن الوقت للانتقال إلى جمهورية برلمانية تكون فيها الحكومة مسؤولة أمام ممثلي الشعب، ويكون البرلمان مركز الشرعية السياسية؟ هذه هي الفكرة التي يمكن أن تمنح شعار الجمهورية الثالث مضمونًا تاريخيًا جديدًا.
من جمهورية الرئيس إلى جمهورية المؤسسات
المشكلة في الأنظمة الرئاسية ليست في وجود رئيس للجمهورية في حد ذاته، وإنما في خطر تركيز معظم مفاتيح القرار السياسي في مؤسسة واحدة.
حين يرتبط مستقبل الحكومة بنتيجة الانتخابات الرئاسية، يتحول الاستحقاق الرئاسي بصورة شبه تلقائية إلى معركة شاملة على الدولة. ويصبح الفوز بالرئاسة مفتاحًا واسعًا للتأثير في السلطة التنفيذية والسياسة العامة، بينما تتحول الانتخابات التشريعية، في كثير من الأحيان، إلى استحقاق ثانوي في الوعي السياسي.
أما الجمهورية البرلمانية فتقترح منطقًا مختلفًا، الحكومة لا تستمد قوتها من شخص رئيس الدولة، وإنما من ثقة البرلمان. والبرلمان لا يكون غرفة للمصادقة على قرارات السلطة التنفيذية، بل يصبح المؤسسة التي تتشكل منها الأغلبية الحاكمة، ومنها تنبثق الحكومة، وأمامها تقدم برنامجها، وبها تستمر أو تسقط. إنها نقلة من حكم الشخص إلى حكم المؤسسة.
البرلمان أولًا
إذا كان الشعب هو مصدر السلطات، فإن البرلمان المنتخب ديمقراطيًا ينبغي أن يكون التعبير السياسي الأوضح عن الإرادة الشعبية، ولا يعني ذلك أن البرلمان يصبح سلطة مطلقة؛ فالجمهورية البرلمانية الحديثة تقوم على الفصل والتوازن بين السلطات، وعلى خضوع الجميع للدستور والقانون والقضاء، لكنها تعني أن الحكومة يجب أن تكون مسؤولة سياسيًا أمام البرلمان.
فبعد الانتخابات التشريعية، تتشكل أغلبية برلمانية، ويكلف رئيس الدولة الشخصية القادرة على تشكيل الحكومة، ثم تعرض الحكومة برنامجها على البرلمان لنيل الثقة.
إذا حازت الثقة، تبدأ مهمتها.
وإذا فقدتها، تسقط سياسيًا.
بهذه الآلية يصبح الناخب شريكًا حقيقيًا في تشكيل السلطة التنفيذية؛ فهو لا ينتخب برلمانًا فقط، بل ينتخب بصورة غير مباشرة الاتجاه السياسي الذي ستسلكه الحكومة.
رئيس الجمهورية: رمز الدولة و حاميها
الجمهورية البرلمانية لا تعني إلغاء منصب رئيس الجمهورية، بل يمكن أن يكون لموريتانيا رئيس جمهورية منتخب وفق صيغة دستورية مناسبة، لكنه لا يكون مركز السلطة التنفيذية اليومية.
يتولى رئيس الجمهورية وظائف الدولة العليا: تمثيل البلاد، حماية الدستور، ضمان استمرارية المؤسسات، اعتماد الحكومة وفق الإجراءات الدستورية، وتمثيل موريتانيا في المناسبات الوطنية والدولية. أما إدارة السياسة العامة، فتكون من اختصاص رئيس الحكومة ومجلس الوزراء، على أساس برنامج يحظى بثقة البرلمان.
وهكذا يصبح رئيس الجمهورية فوق التنافس الحكومي اليومي، بينما تتحمل الحكومة المسؤولية السياسية المباشرة أمام الأمة وممثليها، إنها صيغة تحقق هدفين في وقت واحد: الحفاظ على رمز الجمهورية ووحدة الدولة، ومنع تركيز السلطة التنفيذية في مؤسسة الرئاسة.
الحكومة التي يمكن إسقاطها
الميزة الأساسية للنظام البرلماني أن الحكومة ليست فوق البرلمان، إنها تعيش بثقته وتسقط بفقدانها، وهنا يصبح البرلمان مؤسسة حقيقية للرقابة، يستطيع النواب مساءلة الوزراء، وتشكيل لجان التحقيق، ومراجعة السياسات العامة، ومناقشة الميزانية، ومحاسبة الحكومة على تنفيذ برنامجها.
لكن في المقابل ينبغي ألا يتحول البرلمان إلى مؤسسة لإسقاط الحكومات بلا بديل، ولهذا يمكن اعتماد التصويت بحجب الثقة البناء: أي أن البرلمان لا يستطيع إسقاط الحكومة إلا إذا استطاع في الوقت نفسه تشكيل أغلبية بديلة قادرة على تحمل المسؤولية، وبذلك يتحقق التوازن بين مبدأ الرقابة ومبدأ الاستقرار.
لماذا تحتاج موريتانيا إلى هذه النقلة؟
لأن مشكلة الديمقراطية ليست فقط في كيفية اختيار الحاكم، وإنما في كيفية مراقبته ومحاسبته وتغييره.
لقد أظهر التاريخ السياسي أن الأنظمة التي تركز السلطة في قمة الهرم تجعل الانتخابات الرئاسية شديدة الاستقطاب، لأن السلطة السياسية تصبح مرتبطة إلى حد كبير بنتيجة معركة واحدة، أما النظام البرلماني فيوزع السلطة على المؤسسات والأحزاب والائتلافات.
وقد تفوز أغلبية اليوم وتخسر غدًا، وقد تدخل أحزاب في تحالفات، وقد تتغير الحكومة من دون أن تتغير الدولة.
وهذا بالضبط هو معنى النضج المؤسسي.
أن تسقط الحكومة دون أن تسقط الجمهورية.
منطق تاريخي موريتاني
ليس المقصود بالجمهورية الثالثة محو تاريخ الجمهورية الأولى أو إنكار ما أنجزته الجمهورية الثانية.
لقد كان بناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال مهمة تاريخية كبرى، ثم جاءت مرحلة 1991م لتعيد التعددية الدستورية والحزبية، وأصبح الانتقال السلمي للسلطة جزءًا من البناء الدستوري الموريتاني.
لكن كل مرحلة تاريخية تطرح أسئلتها الخاصة.
فإذا كانت مهمة المرحلة الأولى هي بناء الدولة، وكانت مهمة مرحلة 1991م هي استعادة التعددية الدستورية، فإن مهمة الجمهورية الثالثة يمكن أن تكون إعادة توزيع السلطة داخل الدولة نفسها.
أي الانتقال من التعددية تحت نظام رئاسي قوي إلى تعددية تجعل البرلمان مركز التنافس السياسي والحكومة مسؤولة أمامه.
الجمهورية الثالثة ليست ضد الرئيس
قد يبدو هذا المشروع، للوهلة الأولى، وكأنه تقليص لدور رئيس الجمهورية، لكن الحقيقة أعمق من ذلك، إنه تحرير للرئاسة نفسها من عبء إدارة كل تفاصيل السياسة.
في النظام البرلماني، يستطيع رئيس الجمهورية أن يكون رئيسًا لجميع الموريتانيين، لا رئيسًا لأغلبية سياسية فحسب.
وحين لا يكون مسؤولًا عن تشكيل كل السياسات اليومية، يصبح أكثر قدرة على القيام بدور الحكم الدستوري والرمز الوطني. أما رئيس الحكومة، فيتحمل المسؤولية السياسية كاملة أمام البرلمان. وهنا تصبح المساءلة واضحة:
من يحكم؟ الحكومة.
من يراقب؟ البرلمان.
من يحمي الدستور؟ القضاء ورئيس الجمهورية والمؤسسات الدستورية.
من يمنح الشرعية؟ الشعب.
برلمان منتخب لا برلمان تابع
لكن لا يمكن أن تنجح الجمهورية البرلمانية ببرلمان ضعيف، ولهذا فإن الدعوة إلى الجمهورية الثالثة يجب أن تكون في الوقت نفسه دعوة إلى إعادة بناء البرلمان.
يحتاج البرلمان الموريتاني إلى موارد بشرية وفنية تمكنه من دراسة مشاريع القوانين والميزانية والسياسات العامة، ويحتاج النواب إلى أجهزة بحثية متخصصة، وإلى لجان قوية، وإلى آليات فعالة لمراقبة الإنفاق العام.
كما ينبغي أن تكون جلسات المساءلة الحكومية منتظمة وذات أثر حقيقي.
فالبرلمان الذي لا يستطيع مساءلة الحكومة لا يمكن أن يكون مركز النظام البرلماني.
الانتخابات التشريعية هي المعركة السياسية الأولى
في الجمهورية الثالثة، ينبغي أن تتغير الثقافة الانتخابية نفسها.
لن يكون السؤال الرئيسي: من سيكون الرئيس؟ بل: من سيحصل على ثقة الشعب لتشكيل الحكومة؟
ستصبح البرامج الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والصحية والأمنية محور الانتخابات.
وستضطر الأحزاب إلى تقديم مرشحين وبرامج وحكومات ظل وبدائل واضحة.
وسيعرف المواطن، قبل أن يصوت، ما الذي سيحصل إذا منح صوته لهذا الحزب أو ذاك.
وهكذا تتحول السياسة من منافسة على الأشخاص إلى منافسة على البرامج والسياسات العامة.
التعددية لا تعني الفوضى
يقول بعض المعترضين إن النظام البرلماني قد يؤدي إلى كثرة الحكومات وعدم الاستقرار،
وهذا احتمال ينبغي أخذه بجدية، لكنه ليس حجة كافية لرفض النظام البرلماني، فالاستقرار لا يعني بقاء الحكومة نفسها مهما حدث، الاستقرار الحقيقي يعني أن قواعد تغيير الحكومة مستقرة حتى عندما تكون الحكومات غير مستقرة.
يمكن للدستور أن يضع عتبات واضحة لتشكيل الحكومات، وأن ينظم حل البرلمان، وأن يعتمد حجب الثقة البناء، وأن يحدد شروط الائتلافات، وأن يمنع استخدام البرلمان كأداة للابتزاز السياسي، وبذلك تصبح الأزمات السياسية أزمات حكومية قابلة للحل، لا أزمات دولة.
الجمهورية الثالثة ودولة القانون
لا يمكن بناء جمهورية برلمانية من دون قضاء مستقل، فحين تتوزع السلطة بين البرلمان والحكومة، يصبح القضاء المستقل الضامن الذي يمنع الأغلبية من التحول إلى سلطة مطلقة.
الأغلبية البرلمانية تحكم، لكنها لا تملك الدستور.
الحكومة تنفذ، لكنها لا تملك القانون.
والبرلمان يشرع، لكنه لا يملك حقوق المواطنين.
والقضاء يحمي الدستور والحقوق.
هذه هي فلسفة الدولة الحديثة: لا أحد يملك الدولة.
المصالحة بين الدولة والمجتمع
يمكن للجمهورية الثالثة أن تكون أكثر من إصلاح دستوري، يمكن أن تكون مشروعًا للمصالحة بين المواطن والدولة، فحين يشعر المواطن أن صوته يؤدي إلى تغيير الحكومة، وأن نائبه يستطيع مساءلة الوزير، وأن الحكومة يمكن أن تسقط بسبب فشلها، يصبح الانتخاب فعلًا سياسيًا ذا معنى. وحين يعرف الوزير أنه مسؤول أمام البرلمان، يعرف أن السلطة ليست امتيازًا شخصيًا. وحين يعرف رئيس الحكومة أنه يستطيع فقدان منصبه بسبب تصويت النواب، تصبح النتائج السياسية للسياسات أكثر وضوحًا. وهكذا تنتقل المسؤولية من مفهوم غامض إلى سلسلة مؤسسية واضحة.
الجمهورية الثالثة: عقد لا انقلاب
ينبغي أن تكون هذه النقطة واضحة منذ البداية: الجمهورية الثالثة لا تولد من انقلاب، وإنما من إرادة دستورية وشعبية.
موريتانيا عرفت في تاريخها انتقالات غير دستورية، وكان من أهم دروس تلك التجارب أن استقرار الدولة لا يمكن أن يقوم على كسر المؤسسات، ولهذا ينبغي أن يتم الانتقال إلى النظام البرلماني عبر مسار دستوري واضح: حوار وطني واسع، ومناقشة عامة، وصياغة مشروع دستوري، ثم اعتماده وفق الآليات الدستورية والقانونية المناسبة، فإذا كانت الغاية هي دولة المؤسسات، فلا يجوز أن تكون وسيلة الوصول إليها هدم المؤسسات.
كلمة أخيرة: أن نحكم أنفسنا عبر مؤسساتنا
الجمهورية الثالثة التي نريدها ليست جمهورية ضد أحد، ليست ضد الرئيس، ولا ضد الجيش، ولا ضد الأحزاب، ولا ضد المعارضة، ولا ضد أي مكوّن اجتماعي. إنها جمهورية تضع الجميع تحت سقف الدستور.
نريد رئيسًا يمثل الدولة ولا يحتكرها.
ونريد حكومة تحكم لأنها تملك ثقة البرلمان.
ونريد برلمانًا لا يخاف الحكومة ولا يخضع لها.
ونريد قضاءً مستقلًا لا يخضع للأغلبية ولا للأقلية.
ونريد أحزابًا تتنافس على خدمة المواطن لا على امتلاك الدولة.
ونريد مواطنًا يعرف أن صوته لا ينتهي يوم الانتخابات، وإنما يتحول إلى سلطة رقابية من خلال ممثليه.
إن جوهر الجمهورية الثالثة إذن ليس تغيير اسم النظام.
إنه تغيير مركز السلطة.
من القصر إلى البرلمان.
من الشخص إلى المؤسسة.
من الولاء إلى البرنامج.
من السلطة التي تُمنح إلى السلطة التي تُراقب.
ومن حكومة تستمد قوتها من موقع الرئيس إلى حكومة تستمد شرعيتها واستمرارها من ثقة ممثلي الشعب، لقد آن الأوان لكي تصبح موريتانيا، في مرحلتها الجمهورية القادمة، دولة لا يكون فيها السؤال: من يحكم؟
بل السؤال الأهم:
بأي مؤسسات نحكم، ومن يحاسب من يحكم؟
وعندما يصبح البرلمان مركز الحياة السياسية، والحكومة مسؤولة أمامه، والقضاء مستقلًا، والرئاسة رمزًا لوحدة الدولة، فإن الجمهورية الثالثة لن تكون مجرد تعديل دستوري.
ستكون انتقالًا تاريخيًا من جمهورية الأشخاص إلى جمهورية المؤسسات.
وهذا هو المشروع الذي يستحق أن تخوض موريتانيا حوله حوارها الوطني القادم.
وبذلك يكون فخامة الرئيس السيد محمد ولد الشيخ الغزواني آخر رئيس للجمهورية الثانية، ولم لا أول رئيس للجمهورية الثالثة.

شارك المنشور: