الأدب السياسيمقالات

امبارك ولد بيروك.. الرواية بلغة موليير في بلاد المليون شاعر

امبارك ولد بيروك اختار الكتابة باللغة الفرنسية وحصل على عدة جوائز أدبية

عندما كان عمره 12 عاما، ووقع بين يديه كتاب “البؤساء” لفيكتور هيغو باللغة الفرنسية، لم يجد الطفل امبارك ولد بيروك مشكلة في قراءته، فوالده آنذاك كان من بين رجال يعدون على الأصابع يدرسون اللغة الفرنسية في الخمسينيات.

وقع الفتى في حب اللغة الفرنسية، وهو الذي ينحدر من أسرة متعلمة، ويعيش في مدينة أطار (شمالي موريتانيا)، التي عرفت بتنوعها العرقي، ومنذ ذلك الحين بدأ رحلته في عالم لغة موليير.

لعبت سهولة الحصول على كتب باللغة الفرنسية دورا كبيرا في تعمق امبارك ولد بيروك في الفرنسية، مدفوعا بشغف بدأ منذ الصغر، وتضافرت تلك الأمور لتجعله لاحقا من أبرز الكتاب الموريتانيين باللغة الفرنسية.

في لقاء مع الجزيرة نت يتحدث الروائي الموريتاني الحاصل على جوائز دولية، امبارك ولد بيروك عن بداياته مع الكتابة والصحافة، وعن رؤيته للأدبين الفرنسي والعربي في موريتانيا.

بداية المشوار
بعد إنهاء دراساته العليا في المغرب في تخصص القانون، عاد امبارك إلى موريتانيا، وفي عام 1986 بدأ العمل في الصحافة العمومية، ونشر قصصا قصيرة في جريدة الشعب.

لكن الإعلام العمومي لم يسكن الكاتب، ولم تعجبه القيود المفروضة على خطه التحريري، فأسس عام 1988 جريدة مستقلة أسماها “موريتانيا غدا” يقول عنها:
“كانت الجريدة تستهدف الطبقة المثقفة، والناطقة باللغة الفرنسية، ووجدت بينهم انتشارا قويا، وقمت بتأسيسها لأنني كنت أبحث عن حرية التعبير”.

وكما وضع لمسة بارزة في الإعلام من خلال الجريدة الفرنسية “موريتانيا غدا” وجد الرجل المولع بلغة موليير نفسه في كتابة الروايات، فنشرت له أول رواية عام 2005 تحت عنوان “ونسيت السحاب أن تمطر”.

تتحدث الرواية عن التناقضات التي تحصل في المجتمع، وتصف كيف يمكن أن تثور فتاة من طبقة في ذيل ترتيب المجتمع على شيخ قبيلة من الأسياد، فترفض الزواج منه، وتغوص الرواية في حياة المجتمع بين تجبر الأسياد، وطموح الضعفاء للحرية.

روايات امبارك ولد بيروك وجدت صدى دوليا، فحصل عام 2016 على جائزة كروما، عن روايته “طبل الدموع”، وهي من أكبر الجوائز التي تعطى لكتاب الرواية الفرانكفونية، لكن امبارك لديه نظرة خاصة للجوائز.

ويقول في هذا الباب “أنا أعتبر أن الجوائز ليست هي التي تعطي قيمة للرواية أو العمل الأدبي بشكل خاص، لأن هناك كتابا كبارا يبدعون ولا يحصلون على جوائز، وهناك من يحصل عليها دون أن يكون عمله يستحق ذلك”.

حول روايات بيروك
يرى الشاعر محمد ولد إدومو أن روايات امبارك ولد بيروك تمتاز بالشاعرية، حيث تظهر اللغة الشاعرية في كتاباته، ويقول في تصريح للجزيرة نت إنها “تتلاقى مع الروايات العربية الموريتانية في كثير من النقاط، حيث تتطرق لمواضيع التقاليد وتلك التي تتعلق بالمرأة والتحرر وسكان الصحراء، وربما لا أخطئ إذا قلت إن ولد بيروك هو من أبرز كتاب السرد في البلد”.

يعتقد الشاعر ولد إدومو أن كتابة امبارك باللغة الفرنسية تحرم جانبا كبيرا من المجتمع من الاطلاع على أعماله، ويقول إنه طلب من المؤلف ترجمة أعماله، لأنه من الضروري أن تكون هناك حركة ترجمة، لكي يصل الأدب المكتوب بالفرنسية إلى الناطقين بالعربية.

ويرى الباحث أحمد ميلود ولد أيده أن روايات امبارك ولد بيروك،تستمد قوتها من الثقافة الحسانية، وتمثل ذلك روايته “شاعر الأمير” التي تتحدث عن دور الشاعر التقليدي في المجتمع، الذي يلعب أدوارا كثيرة، من بينها دور المؤرخ. ويؤكد امبارك رأي الباحث أحمد ميلود، فهو يعتبر أنه ابن الصحراء، ويحمل على عاتقه مهمة التعريف بحياة الناس في هذا الركن من الأرض، ويعتبر أن جذوره تمتد من جنوب المغرب إلى تبموكتو.أكتب لأعيش
الكتابة هي ملاذ الكاتب امبارك ولد بيروك، فيها ينسى همومه وأعباء الضغوط، وفي محرابها يشعر بالحياة؛ فالكتابة بالنسبة له مثل الرياضة وشرب الشاي، يصف هذه الحالة للجزيرة نت قائلا “أكتب على الدوام، في كثير من الأحيان أكتب لنفسي، ثم أمزق الورق، وأحيانا أكتب ولا أرسل كتاباتي للنشر فأحتفظ بها لنفسي”.

ورغم أنه يكتب باللغة الفرنسية، فإنه يراقب الساحة الثقافية عن كثب، والتي تسيطر عليها الأعمال بالعربية، بسبب طبيعة المجتمع، المعروف ببلاد المليون شاعر.

ويرى أن من يكتبون باللغة العربية يستحضرون المشرق كثيرا في كتاباتهم أكثر من الفرانكفونيين، لذلك يجدهم أكثر بعدا من واقع الموريتانيين، ويلخص رأيه بالقول:
“هناك كتاب قلائل يكتبون بالفرنسية، وجمهورهم من النخبة هنا وفي الخارج، لكن الأدب العربي ينشتر وأصحابه كثر، لكن الأغلبية يتمسكون بالشعر القديم، لكن هناك بعض الشباب يجددون في الشعر، ويستحقون نظرة جديدة”.

يقرأ لكتاب موريتانيين يكتبون بالفرنسية، مثل موسى ولد ابنو، وإدومو ولد محمد الأمين، وموسى جاكانا، ومريم درويش، ومن الكتاب العرب يقرأ لمحمود درويش.

نشرت للكاتب في سبتمبر/أيلول الماضي رواية “أنا وحيد”، وتدور أحداثها حول رجل قرر العيش في بيته دون الخروج منه، بسبب سيطرة جماعات إرهابية على المدينة، كانت تمارس التكفير والقتل والترهيب، ويلزم الرجل بيته، ويبدأ في تذكر ماضيه السيء، عندما كان رجلا فاسدا.

المصدر : الجزيرة

الوسوم
اظهر المزيد
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: