1

هل خدع حزب الله إسرائيل بشأن قدراته العسكرية؟

شارك المنشور:

في المواجهة العسكرية المستمرة على جبهات متعددة جنوب لبنان، تتكشف اليوم ملامح معقدة للمعركة بين حزب الله اللبناني وإسرائيل، حيث تثير الهجمات الصاروخية اليومية على الجليل ومحيط تل أبيب شكوكا متزايدة حول الموازين الحقيقية للقوة العسكرية للحزب، والتي لم تُعرف بعد على الرغم من الضغوط الإسرائيلية المتكررة وتقديراتها الرسمية المبالغ فيها.

والواقع أن الهجمات الصاروخية المكثفة لحزب الله في الأيام الماضية، مثلت صدمة ارتدادية لسردية النصر شبه المطلق، التي حاولت حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تسويقها منذ خريف 2024، في حين بدأت تظهر تساؤلات حادة داخل إسرائيل عما يصفونه بحجم التضليل الذي مارسته الحكومة بشأن قدرات الحزب العسكرية.

بل ويذهب البعض إلى طرح فرضية أن يكون الحزب قد نجح في استدراج الجيش الإسرائيلي إلى استنزاف طويل الأمد، بعد أن أوهمه بانهيار منظومته القيادية، وتراجع إمكاناته العسكرية إلى حد بعيد
سردية مضللة
ويرى خبراء أن حزب الله نجح في خلق واقع مزدوج، يتمثل في ضعف تكتيكي جنوب لبنان، مقابل قدرة على شن هجمات كثيفة قد تؤثر على العمق الإسرائيلي.

وبحسب تحليلات عسكرية، فقد كان الحزب يدير سردية تهدف إلى إخفاء قدراته الفعلية، في حين تركز الحكومة الإسرائيلية على إبراز الانتصارات المؤقتة، ما أدى إلى فجوة بين الواقع العسكري والحملات الإعلامية الإسرائيلية، وأدى أيضا إلى صدمة متكررة لإسرائيل كلما اندلعت المواجهات بشكل مباشر.

وسرعان ما تعالت الأصوات داخل المجتمع الإسرائيلي، خصوصا في الأوساط الأمنية والإعلامية، منتقدة ما وصفتها بـ”إدارة السردية السياسية” على حساب الواقع الميداني.

في هذا الإطار، انتقد مراسل الشؤون العسكرية الإسرائيلي آرييه إيغوزي -في مقال له على موقع “زمان إسرائيل”- حكومة نتنياهو، واصفا تقديراتها العسكرية بأنها جزئية ومضللة، إذ ركزت على إنجازات محدودة للحملة الإسرائيلية ضد الحزب، وأخفَت عن الجمهور ضعفها أمام معدل تعافي الحزب وما يمكن أن يترتب على ذلك من تكاليف على الشمال الإسرائيلي.

وحسب إيغوزي، فإن الحزب -بالتنسيق مع إيران– استغل هذه التقديرات الخاطئة لإطلاق عشرات الصواريخ يوميا، مؤكدا أن القدرة الإستراتيجية للحزب لم يُقض عليها، وأن أي تصور للنصر الإسرائيلي بعيد عن الواقع على الأرض

الدفاع المرن
في غضون ذلك، تكشف التحليلات العسكرية أن حزب الله لم يكتفِ بالمناورة الدفاعية التقليدية، بل تبنى إستراتيجية دفاع مرن تستفيد من خبراته السابقة في مواجهة الجيش الإسرائيلي.

وهو ما يؤكده الخبير العسكري والإستراتيجي نضال أبو زيد من أن الحزب اعتمد على صواريخ مضادة للدروع مثل “ألماس” وتكتيكات ميدانية تعوق تقدم القوات الإسرائيلية في مناطق إستراتيجية، مثل الخيام وعيترون، مما أتاح له الاحتفاظ بالقدرة على شن هجمات مكثفة ومتتالية من مناطق مختلفة، مما يعكس فهم الحزب لأهمية البنية التحتية والعمق اللوجستي في المعركة.

في المقابل، تصعّد إسرائيل هجماتها البرية والجوية، مع تعزيز التوغل عبر إدخال فرق مدرعة مثل الفرقة 36 و91 و162، وسط غطاء جوي مكثف، بهدف فرض واقع ميداني جديد في القطاع الشرقي من الحدود.

ويشرح أبو زيد أن الهدف من هذه الحشود ليس السيطرة على الأرض فقط، بل فتح الطرق أمام وحدات المشاة مثل لواء غولاني للتقدم في الخط الثاني، بينما يواصل حزب الله استهداف المواقع الإسرائيلية، سواء داخل لبنان أو في الجليل، في محاولة لموازنة الضغط العسكري وفرض معادلة ردع جديدة

وأشار تقرير نشرته صحيفة “لوموند” الفرنسية إلى أن التصعيد الحالي يكشف ضعف تقديرات إسرائيلية سابقة بشأن حزب الله، ويضع لبنان أمام مخاطر كبيرة، ففي الوقت الذي يطالب فيه وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بنزع سلاح الحزب، يرى الخبراء أن هذه الخطوة مستحيلة في ظل استمرار الحرب، خصوصا مع رفض الجيش اللبناني الإقدام على ذلك خوفا من حرب أهلية جديدة.

ويعود هذا السياق إلى ما بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية عام 1990، عندما احتفظ حزب الله بسلاحه مبررا ذلك بمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما جعله قوة عسكرية وسياسية متجذرة، حسب توضيح الصحيفة الفرنسية.

من جانب آخر، كشفت تقارير في صحف متعددة، بينها صحيفة “وول ستريت جورنال”، عن أن الحزب بدأ منذ عام 2024 بإعادة بناء ترسانته العسكرية، بما في ذلك الصواريخ القصيرة والطائرات المسيرة والذخائر الثقيلة، كما جرى تهريب شحنات من سوريا وإنتاج أسلحة محلية.

التقرير يؤكد أن هذه العملية لم تتوقف رغم الغارات الإسرائيلية المستمرة، وأن حزب الله احتفظ بثلث قدرته النارية قبل الحرب، إضافة إلى تعزيز البنى التحتية السرية، التي تشمل التخزين والتهريب وعمليات النقل، مما يضمن استمرارية قدرته العسكرية الإستراتيجية.

إعادة التسلح
وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن حزب الله يضم نحو 40 ألف مقاتل في لبنان، ويمتلك ما بين 15 و20 ألف صاروخ وقذيفة، في حين تصل ترسانته العسكرية الإجمالية إلى حوالي 20 ألف وحدة.

ووفق هذه التقديرات، فإن عناصر قوات الرضوان أعادوا تنظيم صفوفهم في المنطقة الممتدة بين نهر الليطاني والحدود، في مدن رئيسية مثل النبطية.

وذكرت صحيفة معاريف أن الجيش الإسرائيلي أصبح على دراية بخطط حزب الله لإعادة تأهيل قوته، بما في ذلك التجنيد المكثف للأفراد وتكديس الأسلحة، وبناء خط دفاع جديد شمال نهر الليطاني.

ويصف التقرير الذي نشرته الصحيفة هذه القوة بأنها جيش متكامل، مزود بمنظومات صاروخية ومدفعية، وليس مجرد تشكيل قتالي عابر.

وجاء في تقرير آخر -نشره موقع “واي نت” الإسرائيلي- أن الحزب يعيد بناء قدراته في 3 محاور رئيسية:

الصواريخ والقذائف.
الطائرات المسيرة.
البنى التحتية، مع تركيز خاص على منطقة شمال نهر الليطاني، التي أصبحت مركز ثقله الجغرافي الجديد.
ويؤكد مراقبون أن المواجهات التي خاضها الحزب ضد إسرائيل لم تُنهِ قدراته، رغم الضربات الإسرائيلية المكثفة، وأن تقديرات إسرائيل بشأن قوته كانت مبسطة وغير دقيقة، في حين استغل الحزب الفجوات في المعلومات لصالحه، مؤكدا أنه ما زال قوة فاعلة قادرة على التأثير على مسار أي مواجهة.

المصدر: الجزيرة

شارك المنشور: