الرجل الذي هز المكسيك.. لماذا تم قتله الآن؟
تابع الرأي العام العالمي بكثير من الفضول في الساعات الأخيرة من يوم الأحد الماضي، تطورات خبر القبض على رئيس عصابة “خاليسكو، الجيل الجديد”، المكسيكية لتجارة المخدرات والجريمة المنظمة، الملقب بـ”إل منتشو”، لا سيما مع أحداث العنف والرعب التي أصابت ولايات كثيرة بالشلل، على إثر تأكد خبر مقتله مع عدد من معاونيه، متأثرين بالإصابات التي طالتهم أثناء المواجهات المسلحة مع قوات الأمن المكسيكية.
وقد مثل خبر مقتل “إل منتشو”، مادة دسمة لقراءات سياسية وأمنية مختلفة، وأثار جدلا واسعا ذهب بعضه إلى التساؤل عن السبب الحقيقي وراء “التخلص” منه الآن.
وليس من المبالغة في شيء إذا اعتبرنا أن خبر مقتل “إل منتشو” يعادل في أثره، خبر اعتقال تاجر المخدرات الشهير خواكين غوزمان المعروف بـ”إل تشابو”، وترحيله إلى الولايات المتحدة سنة 2017، باعتبارهما أكبر اسمين خطيرين في عالم الجريمة وتجارة المخدرات، وأهم هدفين في نظر الإدارة الأمريكية خلال ولايتي الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
حيث رفعت إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية في 2020، المكافأة لكل من يدلي بمعلومات عن مكان اختفاء “إل منتشو”، من 10 إلى 15 مليون دولار. وهو رقم ربما يبدو كبيرا في تعقب مجرم حرفته المخدرات.
غير أن الأرقام المخيفة التي ذكرتها مجلة “فورين أفيرز” تشرح الأسباب من وراء ذلك، كما تكشف لماذا يصب ترمب جل تركيزه على أزمة المخدرات، بتصنيف عصاباتها منظمات إرهابية، بل والتهديد بشن عمليات عسكرية ضد بعض الدول التي تنشط فيها مثل هذه الجماعات.
فقد أودت المواد الأفيونية، وخاصة الفنتانيل، بحياة أكثر من نصف مليون أمريكي منذ عام 2012. وخلال أسوأ عامين من هذه الأزمة – 2021 و2022 – توفي أكثر من 100 ألف شخص في الولايات المتحدة سنويا؛ بسبب جرعات زائدة من المخدرات.
وللوقوف على قيمة هذا الهدف، من المهم جدا عرض سيرة الرجل وتضاعف حجم نفوذه، لفهم مدى خطورته.
اسمه الحقيقي أوسيغويرا سرفانتس، وعمره 59 عاما، ويعتبر أكثر تجار المخدرات المطلوبين في المكسيك والولايات المتحدة. كان يتزعم عصابة “الجيل الجديد”، إحدى أكثر المنظمات الإجرامية عنفا وانتشارا في المكسيك، والتي صنفتها حكومة الولايات المتحدة في بداية العام الماضي منظمة إرهابية.
وقد عاش سنوات طفولته وبعض شبابه في المكسيك، ثم انتقل مع عائلته إلى كاليفورنيا، وبدأ اسمه في التسعينيات يلمع في عالم تجارة المخدرات، مما أدى إلى ترحيله.
والطريف في الأمر، أنه عند عودته إلى المكسيك انضم إلى شرطة إحدى بلديات “خاليسكو”، ثم انتقل إلى الجانب المقابل، بانخراطه في الدائرة الضيقة لحماية زعيم عصابة “إل ميلينيو”، الذي طالما مثل له القدوة.
وتسارعت مسيرة “إل منتشو” الإجرامية بعد تصفية رئيس عصابته، فتزعم جزءا من إرثها، مع نهاية 2008، وتجاوزت أطماع عصابته “الجيل الجديد” حدود جنوب المكسيك، الذي كانت عصابة “سينالوا” بزعامة “إل تشابو”، قد رسمته لها كعصابة متربعة حينها على عرش المخدرات، ومحتكرة الجزء الشمالي من البلاد، حيث الحدود مع الولايات المتحدة، أكبر سوق للمخدرات.
ومع تضييق الخناق على عصابة “سينالوا” وملاحقة زعيمها “إل تشابو”، تمددت عصابة “الجيل الجديد” في المكسيك وخارجها، ووصلت منتوجاتها إلى حوالي 45 دولة في القارات الخمس، وتضاعف صيتها وعدد منخرطيها، بشكل جعلها تتفوق على العصابة الأم.
ومن خلال عوامل ونتائج التطور الذي قاده إل منتشو بعد تزعمه العصابة، وفقا لحوار للخبير الأمني الإكوادوري فرناندو كاريون مع الصحفية “ألندرا سانتياغو”، يمكننا فهم طبيعة النشاط المستحدث الذي تمارسه عصابة “إل منتشو”، انطلاقا من الاسم الذي اختاره لها “الجيل الجديد
فهذه العصابة، خرجت من جلباب تجارة الكوكايين، إلى أنواع جديدة من المخدرات الاصطناعية، تماشيا مع تطور الطلب العالمي، من أهمها الأمفيتامين والفنتالين، لاعتبارات عديدة، أبرزها أن هذه الأنواع الجديدة، هي أكثر ربحا وأقل تكلفة من حيث الزراعة والإنتاج، فهي لا تحتاج سوى مختبرات سرية ومختصين في التحضير، في حين أن الكوكايين يتطلب مساحات واسعة من الأراضي لزراعته ووقتا طويلا لحراسته، وبالتالي المزيد من المال لشراء سكوت السلطات، إن قبلت.
بالإضافة إلى ذلك، لم تكتفِ عصابة “إل منتشو” بتجارة الكوكايين والمخدرات الاصطناعية، بل شملت نشاطاتها الابتزاز المالي الممنهج للمواطنين ولأصحاب الأعمال الحرة والمؤسسات الحكومية، مقابل تركهم بسلام، وهو الأسلوب الذي تمارسه المافيا في مختلف البلدان.
كما اشتهرت هذه العصابة بامتلاكها ترسانة أسلحة متنوعة متطورة جدا (أمريكية الصنع) مكنتها من بسط نفوذها على مفاصل داخل الدولة وتطويعها كثيرا من مسؤولي ومؤسسات الدولة لظاهرة الفساد المالي، وانغماسهم تحت الضغط في عمليات غسل أموال المخدرات.
وكان كل ذلك يتم تحت التهديد أو الاختطاف أو تنفيذ جرائم التصفية أو بتر الأعضاء، بشكل أصبحت به العصابات كالسرطان الذي تخشى مواجهته، الدولة بأسرها. ولعل هذا ما يفسر تهرب الحكومات من القضاء على “إل منتشو”، كرئيس لهذه العصابة، طوال السنوات الماضية.
إن مطاردة زعماء الجريمة المنظمة في أمريكا اللاتينية، تتخطى المفهوم الأمني لملاحقة رؤوس العصابات التي تعرفها معظم دول العالم، فقرار كهذا في تلك البلدان شديدة الخطورة قد يعبث أحيانا باستقرار الدولة، وتماسك السلم الأهلي العام
ويبدو أن رئيسة المكسيك، كلاوديا شينباوم، انصاعت في الأيام الأخيرة للقرار الأمريكي مغامرة بسلم بلدها، وأجبرت وزير الداخلية ووزير الدفاع لتصفية “إل منتشو”، وهي التي كانت قد صرحت الشهر الماضي بأن تأمين سلامة المواطنين، هو الأولوية في سلم رهاناتها.
وهو في الحقيقة موقف يذكرنا بموقف “معلمها” وسلفها، الرئيس السابق مانويل أوبرادور صاحب المقولة الشهيرة: “بالأحضان، لا بالرصاص”، في إشارة إلى اعتماد التفاوض اللين مع العصابات، لا المواجهة المسلحة.
ويرى الباحث في ظاهرة الجريمة المنظمة، دافيد مورا، في حوار له مع موقع الـ”بي بي سي”، أن الرئيسة شينباوم ووزير دفاع حكومتها، الجنرال ريكاردو تريخو، واعيان جدا بالكلفة التي ستخلفها عملية التصفية على المكسيك حكومة وشعبا، والتي حصدت مبدئيا أرواح ما يقارب 25 عنصرا من قوات الأمن والجيش، لكنهما مرغمان على تنفيذ أوامر البيت الأبيض، اللاهث وراء الانتصارات الرنانة.
كما يرى مورا أن أهداف الرئيس ترمب وفريقه، لا تعبأ بهذه الكلفة، فهم يسعون فقط لإبهار الرأي العام العالمي، عبر إحداث صدى لعنوان “القضاء على أخطر رئيس عصابة في المكسيك”.
وهذا ما أكدته ردة فعل ترمب من خلال تغريدته غداة العملية، التي بدا فيها كالمعلم الذي يهنئ تلميذه بعد العمل بنصائحه، حيث كتب “رائع! يجب أن تكثف المكسيك جهودها في محاربة العصابات”.
وبالنسبة للخبير المكسيكي في عالم الجريمة، صامويل غونزاليس، فيذهب إلى أبعد من هذا، فقد أشار إلى الإدارة الأمريكية واعية تمام الوعي أن تصفية أي رئيس عصابة في المكسيك، لن يوقف تدفق المخدرات نحو السوق الأمريكية؛ لأن الطلب قائم، بل يشهد ارتفاعا مع تنوع المنتوجات، وبالتالي فإن عصابة “خاليسكو” وبقية العصابات ستستمر في عملها، مهما كانت الصعوبات.
والحقيقة أن مطاردة زعماء الجريمة المنظمة في أمريكا اللاتينية، تتخطى المفهوم الأمني لملاحقة رؤوس العصابات التي تعرفها معظم دول العالم، فقرار كهذا في تلك البلدان شديدة الخطورة قد يعبث أحيانا باستقرار الدولة وتماسك السلم الأهلي العام.
فهذه الجماعات أقرب لروح التمرد السياسي العنيف والكيانات الموازية، وليست فقط مجرد جماعات تمارس الجريمة، فهي مليشيات مسلحة بأحدث وأخطر أنواع التسليح، ولها شبكات مالية وتجارية معقدة ونفوذ اجتماعي.
وبالتالي يأتي التحذير من كثير من الخبراء من خطورة التعامل مع الأمر دون إستراتيجية شاملة، تأخذ في الاعتبار تحقيق الأهداف الأمنية والوطنية دون القفز إلى المجهول، ومعالجة حقيقية للفساد، وخرائطه.
وتشير إحدى الدراسات الأمريكية إلى أن “إستراتيجية استهداف زعماء العصابات” التي اتبعتها المكسيك عام 2006، أدت في الواقع إلى تفاقم العنف.
ففي عام 2008، عندما رسّخت مبادرة “ميريدا” التعاون الأمني بين الولايات المتحدة والمكسيك، كان معدل جرائم القتل في المكسيك حوالي ثماني جرائم لكل 100 ألف نسمة. وترى الدراسة أنه بحلول عام 2017، ارتفع هذا المعدل بشكل كبير ليصل إلى 26 جريمة لكل 100 ألف نسمة، مدفوعا إلى حد كبير بنمو الجريمة المنظمة.
وبغض النظر عن مآلات هذه الحادثة وتداعياتها التي تجري، لا تستبعد بعض الآراء اليسارية اللاتينية أن الإقدام على هذه العملية قد يكون بمثابة الفخ الذي نصبه الرئيس ترمب لحكومة شينباوم، لينتشي على إثرها بموجة الإطراء من وسائل الإعلام الحليفة في مرحلة أولى، ويطوي بعدها أحلام رئيسة المكسيك اليسارية في إنهاء ولايتها أو مجرد التفكير في الترشح ثانية، بناء على الانتقام الذي سيطالها من عصابة “خاليسكو”.
بيد أن ثمة أصواتا أخرى ترحب بالعملية باعتبارها خطوة على طريق ضبط منظومة المكسيك السياسية وترشيد علاقتها بجيرانها، وأن التعاون الاستخباري مع الولايات المتحدة في هذا المجال لا غنى عنه في حال أرادت تلك الدول التخلص من هذه الفوضى التي تهدد شرعيتها وسيادتها.
موقع السياسي متخصص في الشؤون السياسية