1

كيف تستعد تركيا لاحتمال امتداد الحرب الإقليمية إلى أراضيها؟

شارك المنشور:

كيف تستعد تركيا لاحتمال امتداد الحرب الإقليمية إلى أراضيها؟

لم تعد تركيا تقف على هامش الحرب المشتعلة في الإقليم، بعدما دفعت المواجهة المفتوحة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، المنطقة إلى حافة انفجار أوسع تتجاوز ارتداداته ساحات القتال المباشرة.

فمع وصول تداعيات الضربات التي استهدفت إيران، يوم 28 فبراير/شباط الماضي، إلى دول مجاورة بينها تركيا، بدا واضحا أن أنقرة لم تعد معنية فقط بمتابعة الحرب من الخارج، بل بالاستعداد الجدي لاحتمال أن تطرق أبوابها أمنيا وعسكريا واقتصاديا.

وتتحرك تركيا على أكثر من جبهة لتحصين حدودها ومجالها الحيوي، واحتواء أي ارتدادات محتملة، في وقت يزداد فيه القلق من انزلاق الشرق الأوسط إلى مواجهة مفتوحة قد تعيد رسم توازناته السياسية والأمنية برمتها.

رفع الجاهزية العسكرية
رفعت تركيا مستوى جاهزيتها العسكرية تحسبا لأي تطورات قد تمسّ أمنها القومي، وتتابع أنقرة عن كثب التحركات العسكرية في المنطقة، لا سيما بعد سلسلة خطوات اعتبرتها مؤشرا على تصاعد الحضور العسكري الغربي قرب محيطها الحيوي.

وجاء ذلك في أعقاب هجوم بطائرة مسيرة استهدف قاعدة “أكروتيري” الجوية البريطانية في قبرص، وهو ما دفع اليونان إلى الإعلان عن إرسال فرقاطتين وسرب من مقاتلات “إف-16” إلى الجزيرة لتعزيز دفاعاتها.

كما سمحت بريطانيا باستخدام قواعدها العسكرية في قبرص لدعم العمليات الأميركية في المنطقة، الأمر الذي زاد من مخاوف أنقرة من اتساع نطاق الانتشار العسكري حول الجزيرة.

وكشفت مصادر في وزارة الدفاع التركية أن أنقرة تدرس نشر مقاتلات “إف-16” في شمال قبرص التركية، بهدف تعزيز حماية المجال الجوي للجزيرة في ظل الظروف الإقليمية المتوترة.

وبالتوازي مع ذلك، أفادت تقارير إعلامية بأن القوات المسلحة التركية رفعت مستوى التأهب في الوحدات المنتشرة على الساحل المتوسطي وفي قواعدها العسكرية جنوبي البلاد، تحسبا لأي تطورات مفاجئة قد تنعكس على شرق المتوسط أو على الجبهة السورية المجاورة

وعاد ملف منظومة الصواريخ الروسية “إس-400” إلى واجهة النقاش مجددا. فبعد سنوات من تجميد تشغيل المنظومة نتيجة الخلافات مع الولايات المتحدة، تحدثت تقارير عن مباحثات تركية روسية حول إمكانية إعادة تفعيل النظام أو دمجه بشكل أفضل ضمن شبكة الدفاع الجوي التركية إذا تصاعدت التهديدات الجوية.

كما طرحت أنقرة فكرة تشغيل المنظومة بصورة مستقلة عن أنظمة حلف شمال الأطلسي (ناتو)، في محاولة لتجاوز العقبات السياسية المرتبطة بها.

مقاربة متعددة المستويات
من جهته، يقول المنسّق العام لمركز الدراسات الأمنية في تركيا جهاد إسلام يلماز إن الخطوات التي اتخذتها أنقرة في الفترة الأخيرة تعكس بوضوح أنها تتعامل بجدية مع احتمال اتساع نطاق الحرب في المنطقة، مشيرا إلى أن تركيا تتهيأ لهذا السيناريو من خلال مقاربة أمنية متعددة المستويات.

وأوضح يلماز للجزيرة نت أن القوات المسلحة التركية حافظت منذ فترة طويلة على مستوى مرتفع من الجاهزية العملياتية، مستفيدة في ذلك من خبرتها العسكرية وتكاملها مع منظومات حلف الناتو، إلى جانب التطور المتسارع في قدرات الصناعات الدفاعية المحلية.

وأشار يلماز إلى أن التحديات المحتملة لا ترتبط بالقدرات العسكرية المباشرة بقدر ما تتعلق بتداعيات حرب إقليمية طويلة الأمد ومتعددة الجبهات.

لكنه لفت إلى أن السياسات التي اتبعتها أنقرة خلال السنوات الأخيرة تهدف إلى تقليص هذه المخاطر وتعزيز قدرة تركيا على التحرك بقدر أكبر من الاستقلالية الإستراتيجية خلال فترات الأزمات.

الاستعدادات الإنسانية
أولت أنقرة البعد الإنساني اهتماما مبكرا تحسبا لارتدادات الحرب على حدودها الشرقية، لا سيما احتمال تدفق موجات نزوح من إيران إذا ما تدهورت الأوضاع الميدانية هناك.

وكشفت وزارة الداخلية التركية عن إعداد خطة طوارئ متعددة السيناريوهات للتعامل مع أي تدفق محتمل للنازحين بسبب الحرب، تقوم على 3 مسارات رئيسية:

محاولة احتواء موجات النزوح خارج الحدود من خلال تشديد الرقابة والإجراءات الأمنية على الجانب الإيراني.
إنشاء مناطق عازلة مؤقتة قرب الشريط الحدودي في حال تعذر وقف التدفق.
السماح بدخول اللاجئين إلى الأراضي التركية ضمن آلية منظمة تشرف عليها الدولة، مع نقلهم إلى مخيمات ومراكز إيواء محددة.
وأكد وزير الداخلية مصطفى تشيفتشي أن السلطات التركية وضعت بالفعل ترتيبات أولية لاستيعاب نحو 90 ألف شخص في مخيمات ومرافق إيواء مؤقتة في حال وقوع تدفق مفاجئ.

غير أن الباحث في شؤون الهجرة حيدر شان يرى أن أي موجة نزوح جديدة نحو تركيا في حال اتساع الحرب في المنطقة قد تفرض تحديات اجتماعية معقدة تتعلق بقدرة الخدمات العامة على الاستيعاب والحفاظ على التماسك الاجتماعي.

وقال شان للجزيرة نت إن الخبرة التي اكتسبتها تركيا خلال إدارة ملف اللاجئين السوريين تمنحها أدوات أفضل للتعامل مع أي أزمة نزوح محتملة إذا ما جرت إدارتها بمقاربة منظمة توازن بين البعد الإنساني والاستقرار الاجتماعي

الاستعدادات الاقتصادية
لم تغفل أنقرة تحصين جبهتها الاقتصادية في مواجهة تداعيات الحرب الإقليمية، في ظل ما يرافق الصراع من تقلبات حادة في أسواق الطاقة والمال العالمية.

ومع الساعات الأولى لاندلاع المواجهات، سارع البنك المركزي التركي إلى اتخاذ حزمة إجراءات عاجلة بهدف احتواء اضطرابات الأسواق والحفاظ على استقرار العملة المحلية، فأعلن تعليق مزادات إعادة الشراء لمدة أسبوع، إلى جانب إطلاق عمليات بيع للعملة الأجنبية الآجلة المقومة بالليرة، في خطوة استهدفت الحد من التقلبات وتأمين سيولة كافية من النقد الأجنبي داخل السوق.

وبالتوازي مع هذه التدابير النقدية، تدخلت السلطات المالية لدعم الليرة عبر ضخ سيولة من احتياطيات البنك المركزي. وكشفت وكالة بلومبيرغ أن تركيا أنفقت نحو 12 مليار دولار خلال أسبوع واحد للدفاع عن العملة المحلية في مواجهة الضغوط التي فرضتها الاضطرابات في الأسواق العالمية على خلفية الحرب.

ويعادل هذا المبلغ نحو 15% من احتياطات النقد الأجنبي لدى البلاد، وهو ما ساهم في الحد من تقلبات العملة، إذ حافظت الليرة على قدر من الاستقرار مقارنة بالتراجع الذي شهدته عملات عدة في الأسواق الناشئة خلال الفترة نفسها.

وعلى صعيد قطاع الطاقة، تراقب أنقرة عن كثب تداعيات الحرب على إمدادات النفط والغاز في المنطقة، لا سيما بعد أن أدت الضربات المتبادلة إلى اضطراب حركة الصادرات عبر مضيق هرمز وبعض المسارات الحيوية الأخرى.

ومع ارتفاع أسعار الخام في الأسواق العالمية، تبحث الحكومة التركية إعادة تفعيل آلية ضرائب الوقود المتغيرة بهدف تخفيف العبء عن المستهلكين وامتصاص جزء من الصدمة السعرية.

كما طرحت خطط لتعزيز المخزون الإستراتيجي من المشتقات النفطية وتنويع مصادر الاستيراد، تحسبا لأي اضطرابات محتملة في الإمدادات.

ويرى الباحث الاقتصادي أوركون باير أن الاقتصاد التركي يبدو اليوم أكثر استعدادا مقارنة بالسنوات السابقة لمواجهة التداعيات الاقتصادية للتوترات الجيوسياسية في المنطقة.

ويشير -في حديثه للجزيرة نت- إلى أن تنويع واردات الغاز الطبيعي المسال وتوسيع قدرات التخزين والاستثمارات في البنية التحتية للطاقة تدعم أمن الإمدادات، رغم استمرار اعتماد تركيا الهيكلي على واردات الطاقة وتقلبات الأسعار العالمية، مؤكدا أن السياسات التي تنتهجها الحكومة والبنك المركزي تعكس مقاربة منسقة وحذرة لإدارة أي صدمات اقتصادية محتملة.

هواجس الأمن الداخلي
ترافق التصعيد الإقليمي مع حالة استنفار واسعة داخل تركيا، في مسعى لضمان استقرار الجبهة الداخلية ومنع أي اضطرابات أو اختراقات أمنية قد تستغل انشغال الدولة بالتطورات العسكرية في محيطها الإقليمي.

وعززت السلطات التركية إجراءاتها الأمنية على طول الحدود، لا سيما الحدود الشرقية مع إيران، حيث جرى تكثيف الدوريات البرية ونشر معدات مراقبة متطورة وطائرات مسيرة لمتابعة التحركات عبر الشريط الحدودي.

ويقول الأكاديمي والمحلل السياسي محمد يوجا إن اتساع نطاق الحرب في المنطقة قد يفرض ضغوطا غير مباشرة ومتعددة الأبعاد على الاستقرار الداخلي في تركيا، مشيرا إلى أن هذه التأثيرات قد تتجلى في 3 مجالات رئيسية، وهي:

ارتفاع مخاطر العبور غير النظامي عبر الحدود، واحتمالات تسلل عناصر متطرفة أو ظهور تهديدات هجينة. لكنه أشار في المقابل إلى أن تركيا عززت خلال السنوات الأخيرة قدراتها في مجال أمن الحدود وتكنولوجيا المراقبة والتنسيق الأمني، ما يجعل هذه المخاطر وفق تقديره قابلة للإدارة.
احتمال أن تؤدي أي موجة تصعيد عسكري جديدة إلى تحريك موجات نزوح محتملة. ولفت يوجا إلى أن التأثير لا يقتصر على الهجرة الفعلية، بل يشمل أيضا التوقعات المجتمعية المرتبطة بها، والتي قد تثير حساسيات سياسية داخلية خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية.
تصاعد حروب المعلومات والتضليل الإعلامي، مشيرا إلى أن انتشار المحتوى المضلل عبر وسائل التواصل الاجتماعي قد يسهم في زيادة مشاعر القلق والاستقطاب داخل المجتمع.

المصدر: الجزيرة

شارك المنشور: